|
|
| |
|
تنزيه الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات |
 |
 |
|
|
للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال:
- فطائفة تنفيها.
- وطائفة تثبتها.
- وطائفة تفصل.
وهؤلاء الذين يفصلون هم المتبعون للسلف لأن في هذه الألفاظ إجمالاً وإبهاماً، وليس
كل الناس يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا
وَبَاطِلاً، ويذكرون عن مثبتها ما لا يقول به. وبعض المثبتين لها يدخل معنى
بَاطِلاً مُخَالِفًا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان لا سيما وأن هذه
الألفاظ لم يرد نص من الكتاب والسنة بنفيها ولا بإثباتها.
ولهذا فإن الواجب في باب الصفات أن نثبت ما أثبته الله ورسوله، وأن ننفي ما نفاه
الله ورسوله، أما ما لم يرد نص بإثباته ولا بنفيه كهذه الألفاظ فإنه ينظر في مقصود
قائله: فإن كان معنى صَحِيحًا قيل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون هذه
الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة، كأن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود منها إلا به
وحينئذ فلا بد من قرائن تبين المراد.
ويقصد بهذا الكلام الرد على المشبهة كَداود الجَوَاربِي وأمثاله القائلين بأن الله
جسم، وأنه جثة وأعضاء، ومقصوده (أي مقصود الطحاوي) هذا صحيح، ولكن حدث بعده من أدخل
في عموم نفيه حقا وَبَاطِلاً فاحتاج الأمر إلى بيان.
فقوله: (تعالى عن الحدود). الحَدّ: هو ما ينفصل به الشَّيء ويتميز به عن غيره، أي
أن الله تعالى عن أن يحيط أحد بحده لأنه متميز عن خلقه، منفصل عنهم، مباين لهم، وقد
اتفق السلف على أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته، وهذا
هو مراد الشيخ بقوله: (تعالى عن الحدود).
وإذا كان الحد -كما أسلفنا- يقال على ما ينفصل به الشَّيء ويتميز به عن غيره، والله
تعالى غير حالٍّ في خلقه ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه القيم لما سواه،
فَالْحَدّ بهذا المعنى لا يجوز أن تكون فيه منازعة، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي
وجود الرب ونفي حقيقته. سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا ؟ قال بأنه على
العرش، بائن من خلقه، قيل بحد قال: بحد.
أما ألفاظ الأركان والأعضاء والأدوات: فالركن جزء من الماهية، والله لا يتجزأ.
والأعضاء فيها معنى التفريق وَالْبَعْضيَّة، تعالى الله عن ذلك. والجوارح فيها معنى
الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات وهي الآلات التي ينتفع بها في جلب النفع ودفع
الضر.
كل هذه المعاني منتفية عن الله عز وجل، ولهذا لم يرد ذكرها في صفاته، فالألفاظ
الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فيجب ألا يعدل عنها لغيرها حتى
لا ينفي معنى صحيح أو يثبت معنى فاسد.
ولكن فريقاً من المعطلة يستدلون بذلك على نفي الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد
والوجه. قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر: له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن
من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال أن يده قدرته ونعمته لأن
فيه إبطال الصفة.
وهذا الذي ذكره الإمام الطحاوى ثابت بالأدلة القاطعة: قال تعالى: (
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) [
ص: 75].
وقال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [الزمر: 67]. وقال تعالى:
( وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ
هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [القصَص
88]. وقال: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ
وَالْإِكْرَامِ ) [الرحمن:
27].
وقال:(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا
فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ
مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [الأنعام: 54].
وقال: ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ
اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) [آل عمران:
28.]
المصدر
http://www.el-wasat.com/details.php?id=7543
|
|
|
|
|