عالم التجارة هو عالم المال، ويدور العمل التجاري في العالم أجمع قديمه وحديثه على
طلب المال ابتداء أو استثمارا، وذلك لا يتأتى إلا بالعمل في هذا المال والكدح في
تثميره في أغلب الأحوال، والمقصود من العمل في المال هو الاسترباح وابتغاء الفضل،
ومن ثم كان لزاما على المستثمر المسلم أن يتعرف على الإطار الفقهي للمال والعمل
والربح في مواريثنا الإسلامية باعتبار ذلك مدخلا لدراسة الأحكام الشرعية التي تتعلق
بالاستثمار بصفة عامة، فهلم أيها المستثمر المسلم إلى هذه الكلمة المجملة.
تعريف المال:
المال في اللغة: ما يقتنى ويملك من كل شيء. وفي الاصطلاح: يرى الأحناف أن
المال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، ولكن هذا المال لا يكون متقوما
إلا بإباحة الانتفاع به شرعا فهم يفرقون بين المالية وبين التقوم: فالمالية تثبت
بتمول الناس كافة أو بعضهم، والتقوم لا يثبت إلا بالإباحة الشرعية، فالخمر والميتة
والخنزير والفوائد الربوية أموال ولكنها ليست متقومة.ولا يرى غير الأحناف ثبوت
المالية ابتداء إلا بالإباحة الشرعية، فالخمر والميتة وأمثالها ليست أموالا
ابتداءً.
أقسام المال:
تنقسم الأموال إلى أنواع مختلفة بحسب اختلاف جهة التقسيم، ومن هذه التقسيمات:
القيمي والمثلي: يشيع في مواريثنا الفقهية استخدام هاتين الكلمتين في أبواب المعاملات
فما المراد بهما ؟ - المثلي: هو ما يوجد له مثل في السوق دون تفاوت يعتد به في
التعامل ، ومنه المكيلات والموزونات والعدديات التي لا يكون بين أفرادها تفاوت في
القيمة، وذلك كأنواع الحبوب والبيض والثياب التي تصنعها الآلات ونحوه.- والقيمي :
ما لا يوجد له مثل في السوق أو يوجد ولكن يتفاوت في القيمة كالحيوانات والجواهر
الكريمة ونحوه.
ويترتب على التفرقة بين المثلي والقيمي كثير من الأحكام نذكر منها:
- أن المثلي يضمن بمثله عند الاعتداء بخلاف القيمي فإنه يضمن بقيمته.
- أن المثليات تثبت دينا في الذمة إذ يمكن ثبوتها بأوصافها، أما القيميات فلا تثبـت
إلا بأعيانها.
العقار والمنقول: تنقسم الأموال في الشريعة إلى عقار ومنقول:
- فالعقار ما لا يمكن نقله وتحويله كالأرض وما اتصل بها اتصالَ قرارٍ كالبناءٍ.
- والمنقول كل ما أمكن نقله وتحويله.
وعند الأحناف لا يشمل العقار إلا الأرض ، ويتسع مدلوله عند المالكية ليشمل الأرض
وما اتصل بها اتصال قرار كالغراس والبناء لأنهما لا يقبلان الانتقال الا مع التغيير
فيتحول البناء إلى أنقاض ويتحول الغراس إلى أحطاب . ويترتب على هذا التقسيم عدد من
الأحكام نذكر منها :
- صحة بيع العقار قبل قبضه عند بعض أهل العلم كأبي حنيفة وأبي يوسف وعدم صحة بيع
المنقول قبل قبضه مع خلاف في بعض الصور .
- البدء بتصفية المنقولات قبل العقارات في حالة الإفلاس .
- عدم جواز بيع عقار المحجور عليه لصغر أو عته أو سفه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة أو
حاجة دافعة وجواز بيع المنقولات بقيد المصلحة فحسب.
- تعلق حقوق الجوار والارتفاق بالعقارات دون المنقولات .
- انعقاد الإجماع على صحة وقف العقار ووقوع الخلاف في المنقولات .
- ثبوت الشفعة في العقارات وعدم ثبوتها في المنقولات إلا إذا دخلت في العقار تبعا.
وينقسم المال من حيث قابليته للتملك إلى ثلاثة أقسام:
- ما لا يجوز تمليكه ولا تملكه، ويشمل المنافع العامة كالطرق والجسور والكباري
ونحوه ما دامت للنفع العام.
- ما يمتنع فيه التمليك والتملك إلا لمسوغ شرعي كالعقارات الموقوفة والأراضي
التابعة لبيت المال ونحوه.
- ما يجوز فيه التمليك والتملك وهو ما عدا القسمين السابقين.
وأسباب التملك ثلاثة: - وضع اليد على الشيء المباح الذي لا مالك له بشروط مخصوصة.
- العقود الناقلة للملكية كالبيع والهبة ونحوه.
- الميراث.
والحقوق في المال ثلاثة: 1- حق الفرد: فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، والاعتداء على
هذا الحق بالسرقة يوجب القطع، وبغيرها يوجب التعزير، وفي جواز العقوبة بالمال خلاف
مشهور من أهل العلم، والقول بجوازها قول متوجه.
2- حق الله: فالمال في الأصل ماله، والناس جميعا مستخلفون فيه، قال تعالى: (
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ
الَّذِي آَتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ
تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ
اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [النور: 33]،
وقال تعالى: ( آَمِنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ )
[الحديد: 7] ،
ومقتضى هذا الحق أمران: التصرف في هذا المال على وفاق الشريعة، وإخراج الزكاة
الواجبة، فالفقراء شركاء في هذا المال بما يستحقون من الزكاة.
3- حق الجماعة: ومقتضى هذا الحق تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عند
التعارض شريطة التعويض العادل الذي تصان به الحقوق لأصحابها.
تعريف العمل: العمل في اللغة: المهنة، والفعل بصفة عامة.
وفي الاصطلاح قد يستعمل بالمعنى العام الشامل لكل أفعال الإنسان وتصرفاته كقوله
تعالى:( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [التوبة:
105].
وقد يستعمل بالمعنى الخاص: أي الحرفة والمهنـة وطلب الـرزق، كقـولـه صلى الله عليه
وسلم:( ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن
نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).
والحدود الإسلامية للعمل: الإخلاص والمتابعة، أي أن يقصد بعمله وجه الله، وأن يكون
عمله صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى
إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
) [الكهف: 110] ، وصلاح العمل إنما يكون بموافقته للشريعة، ولا يثيب الله عليه إلا
إذا قصد به وجهه وحده.
حكم العمل:
والعمل فيما لا تقوم حياة الإنسان إلا به - فَرْضُ عَيْنٍ، وفيما لا تقوم
حياة الجماعة إلا به - فرض على الكفاية، فالقيام على الحرف والصناعات بالنسبة
لمجموع الأمة فرض على الكفاية، والتوكل على الله لا يعني القعود عن العمل وترك
الأسباب فإن هذا هو التواكل المذموم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر
الناس بالخروج عن رزقهم ومكاسبهم بل أقرهم على ما يرضاه الله منها، فلا سبيل إلى ذم
الأسباب المشروعة، وإنما يذم منها ما شغل عن الله وصد عن معاملته، كما قال تعالى:
( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ
اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ
يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) [النور: 37].
والعلم والعمل في الإسلام لا ينفصمان، فلابد للعامل من تعلم الأحكام الشرعية
المرتبطة بمهنته حتى لا تزل به القدم فيقع في محرم شرعا، فعلي التاجر أن يأخذ من
الفقه نصابا يعصمه من المعاملات المحرمة، ومن هنا كان هذا الكتاب، وقُلْ مثل ذلك في
الطبيب والزارع والصانع وغيرهم من العملة.
وكما يجب على العامل تعلم ما يتعلق بمهنته من الأحكام الشرعية فإنه يجب عليه كذلك
إتقان مهنته وإحسان عمله واتخاذ الأسباب التي تعينه على ذلك من التدريب والتعليم
ونحوه وإلا كان غاشا للمسلمين ( من غشني فليس مني)
ومن تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن.